المقدمة

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين ومن تبعهم إلى يوم الدين وبعد :

فقبل الدخول في موضوع (المنظومة السباعية في القرآن وتطبيقاتها في الكون والإنسان) لا بد من تمهيد ومقدمة لهذا الموضوع الهام لكي يسهل على القارئ والباحث الكريم فهم المقصود منه والإحاطة بالمعلومات التي سوف نذكرها . وتتضمن هذه المقدمة خمسة محاور :

1.                موقف القرآن الكريم من العلم .

2.                المنظومة القرآنية في الكون والإنسان (قراءة الوحي وقراءة الكون).

3.                ظاهرة (التناسق العددي) في القرآن الكريم.  

4.                ملخص للدراسات السابقة في الإعجاز العددي في القرآن الكريم.

5.                لا قدسية للأرقام في الإسلام .

 

1. موقف القرآن من العلم :

إن القرآن الكريم هو كتاب عقيدة وهداية وإرشاد ومنهج حياة لإقامة المجتمع الفاضل والإنسان الصالح على هدي من توجيهاته التي تقوم على أساس التوحيد والإيمان بالله عز وجل وحده لا شريك له وباليوم الآخر قال تعالى : (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا) [ الإسراء / 9] .  

ولقد أهتم القرآن الكريم بالعلم وأثنى على العلماء وشجع على البحث العلمي للأسباب الآتية:

أولاً : إن العلم أو المعرفة والإيمان في المنظور الإسلامي والقرآني وجهان لعملة واحدة وهما في كثير من الأحيان يتداخلان بسبب عمق الوشائج بينهما فيصيران وجهاً متوحداً وقد ورد ذكر كلمة (العلم) ومشتـقاتها في القـرآن الكريم في (782) موضعاً ووردت كلمة (المـعرفة) فــي (29) موضعاً أي  بمجموع (811) وهو العدد نفسه لورود كلمة (الإيمان) ومشتقاتها في القرآن والتي وردت في (811) موضعاً أيضاً([1]).

يقول العالم الفيزيائي (أينشتاين) : (الإيمان هو أقوى وأنبل نتائج البحوث العلمية  وإن العلم بدون الإيمان لَيَتَلَمَس تلمس الأعمى وإن الإيمان بدون العلم  ليمشي مشية الأعرج).

ثانياً : إن المقصود بالعلم في المنظور القرآني ليس العلم الديني وحده كالعلوم الـشرعية أو علم التوحيد والـذي هو من أهـم وأقـدس أبـواب العلم لقوله I ( فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُْ) [محمد :19]  إذ إن هذه العلوم هي التي تنقذ وتنجي من الشرك والنار ولذلك سميت (بالعلوم المنجية) كذلك فإن كل فرع من فروع العلم والمعرفة  في كافة المجالات في هذه الحياة (العلوم الإنسانية والمادية) مشمولة أيضاً لأن دراسة هذه العلوم والتعمق فيها وبالأسلوب العلمي الصحيح سيقود حتماً إلى الإيمان بالله  U وتوحيده ومعرفة عظيم خلقه ودقيق صنعه وتعتبر من العلوم المساندة (المـساعدة) للعلوم الشـرعية وفـي خـدمة تـفسيرها  قـال I (أَلَمْ تَرَى أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنْ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ $ وَمِنْ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ) [فاطر : 27 ، 28].

ثالثاً : وردت في القرآن الكريم أكثر من سبعين آية تشجع على العلم والمعرفة والبحث العلمي (النظر والتمعن في الكون) وتثني على العلماء والمفكرين([2]) ـ الذين يتفكرون في الكون وفي خلق السماوات والأرض ـ كما ورد في قوله I } وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلا { [آل عمران : 191]. ولقوله I ( قُلْ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ) [يونس : 101] . وقوله I ( قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ) [العنكبوت : 20]. هذا وإن أول خمس آيات من القرآن الكريم  التي نزلت على قلب المصطفى r كانت تأمر بالقراءة والتعلم (العلق، الآيات ، 1ـ5) وقال I ( يَرْفَعْ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ) [المجادلة : 11] . وغيرها كثير يضيق المجال عن ذكرها. وكذلك وردت أحاديث نبوية كثيرة في هذا المعنى يمكن الرجوع إليها  في كتب صحاح الحديث([3]).

        وقد ورد في فضل العلم والعلماء سبع آيات في القرآن الكريم([4]) هي كالآتي :

1.   قال تعالى : (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُوْلُوا الأَلْبَاب) . [ِآل عمران :7]  

2.   قال تعالى : (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم) . [ُآل عمران : 18] .  

3.    قال تعالى : (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا) [النساء :82] .

4.    قال تعالى : (وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلا الْعَالِمُونَ) . [العنكبوت :43]

5.    قال تعالى : (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ) [فاطر :28]

6.   قال تعالى : (أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ). [الزمر :9].

7.     قال تعالى : (يَرْفَعْ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) [المجادلة :11] .

رابعاً : لماذا شجع القرآن على العلم والتعلم وحث على البحث العلمي وأثنى على  العلماء؟ يمكن تلخيص ذلك بالأسباب الآتية :

1 ـ إن العلم الصحيح يقود إلى معرفة الله  U وبه يعرف I ( شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) [آل عمران : 18].

2 ـ بالعلم يمكن فهم وتفسير كثير من الآيات  القرآنية التي لم تكن معلومة من قبل والتي كانت تفسر من قبيل المجاز قال I ( وَقُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ) [النمل : 93] . فإن العلوم الحديثة أصبحت في خدمة تفسيرا القرآن الكريم وتنفعنا كثيراً في فهم كثير من الإشارات العلمية في القرآن فـمثلاً قـوله I ( فَمَنْ يُرِدْ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ) [الأنعام :125] . وفي ذلك كناية على قلة الأوكسجين والضغط الجوي في الأعالي([5]) ، حيث يحصل للإنسان ضيق تنفس كلما ارتفع وصعد في الجو وكمعلومة (البرزخ) في منطقة التقاء البحار أو الأنهار مع البحار (منطقة المصب) في قوله  U ( وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا )  [الفرقان : 53]([6]). والأمثلة في ذلك متعددة وكثيرة.

3 ـ مبدأ التسخير : بالعلم وتقدمه تكتشف أسرار الكون وبذلك يستطيع الإنسان تسخيرها لخدمته ومنفعته قال I ( وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ) [الجاثية : 13].

خامساً : إن القرآن الكريم يعتبر الحقائق العلمية مهما كان لونها العلمي وفي مجالات العلم والمعرفة كلها فرعاً أو نوعاً من الحقيقة الدينية القرآنية ذلك أن الحقائق الكونية التي توصل إليها العلم بوساطة التقدم العلمي والتقني ليست إلا حصيلة النشاط الفكري الذي امتد إلى الأنفس والآفاق باحثاً ومنقباً إذ إن القرآن الكريم هو الذي دعا العقل البشري إلى النظر  والتمعن والتفكر فيهما وإلى كل ما خلق الله I من كائنات ليكشف لنا عن حقيقتها وكنهها قال I ( سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ) [فصلت : 53].. ولم يكن من المعقول إن ينكر القرآن على العقل ما وصل إليه العلم من حقائق ما دام هو الذي دعا العقل البشري إلى التفكير. وإن هذه الحصيلة من الحقائق العلمية ستكون كما ذكرنا آنفاً الضوء الكاشف الذي نهتدي به إلى معرفة ما ورد في القرآن الكريم من آيات كونية علمية وإن العلم عندما يكشف لنا هذه الحقائق إنما يوصلنا إلى الإيمان الثابت بأن خالق هذا الكون إنما هو الله القوي القادر الحكيم  العليم الخبير البصير. لذلك يمكننا القول إن  كل اعتراض على أية حقيقة علمية ثابتة (سواء ذكرت في القرآن والسنة أو لم تذكر) ليس من الدين في شيء.

 

2. المنظومة القرآنية في الكون والإنسان (تطابق قراءة الوحي وقراءة الكون) :

إن القرآن الكريم هو كلام رب العالمين وهو الذي أوحاه بوساطة جبريل الأمين إلى سيدنا محمد r ليكون المعجزة الكبرى والخالدة والمتجددة له وهو في الوقت نفسه كتاب عقيدة ومنهج حياة  للناس أجمعين قال I ( قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا) [الكهف : 110] . وقد أمرنا الله I  بقراءته وتدبره وفـهم معانيـه ومقاصده فقـال I ( كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ) [ص : 29] . والكون (بما فيه ومن فيه الإنسان وغيره) هو خلق الله I ( وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا ) [الفرقان : 2] . وقد أمرنا الله I أن ننظر فيه ونتدبره لنتوصل إلى ما ينفعنا لتحقيق مبدأ (التسخير) الذي تكلمنا عنه سابقاً ثم لنعرف من خلاله مقدرة ودقيق صنع الله I في مخلوقاته فإذن أصبح لله  U كتابان وقراءتان:

القراءة الأولى : وهو الكتاب المقروء والمسطور ( المعجزة الكبرى) والحقيقة المطلقة والثابتة ـ القرآن الكريم ـ كلام رب العالمين.

القراءة الثانية : وهو الكتاب المفتوح والمنظور (المعجزة الصغرى) والذي هو الكون بما فيه الإنسان (أهم واكرم مخلوق) ـ خلقه رب العالمين .

ولما كان مصدر هذين الكتابين والقراءتين واحداً (وهو الله  U الذي أنزل القرآن وخلق الكون والإنسان) فلابد أن يتطابقا ويتناسقا ويفسر كل منهما الآخر ويساعده في كشف أسراره وفهم معانيه وتأدية وظيفته فالقرآن يقود إلى الكون والكون يقود إلى القرآن ويشكلان معاً في حالة الجمع بينهما مجموعة واحدة متناسقة ومتعاونة يمكن الاصطلاح عليها باسم (المنظومة القرآنية الكونية الإنسانية) تحكمها وتضبطها وتسيرها قوانين وسنن واحدة والعلم (بنوعيه الشرعي والتجريبي) هو حلقة الوصل والجسر الذي يربط بينهما  حيث بدونه لا يمكن فهم القراءتين (قراءة الوحي ، قراءة الكون) ، كمـا في الـشكل رقم (1) .

(( فالقراءتان (في الوحي والكون) فريضتان لأنهما أمران إلاهيان والجمع بينهما ضروري وبدونه يقع الخلل وحين يحصل الفصام بين الكتابين أو القراءتين تكون النتيجة أن الذين يتعلقون بالجانب الغيبي من القراءة (كتاب الوحي) ويسقطون الجانب الموضوعي وعناصره من العلوم والمعرفة الكونية (كتاب الكون) فإنهم يتحولون إلى لاهوت وكهنوت ينتهي بهم إلى فكر جامد قد يحسب خطأ على الدين والذين يتعلقون بقراءة الكون وحده فإنهم ينفون البعد الإيماني الغيبي الفاعل في الوجود وحركته وينتهون إلى الفكر المادي الذي يؤثر على النسق الحضاري سلبياً مؤدياً إلى المشاكل كالتي يشهدها العالم المادي في الوقت الحاضر . إن الفرق بين الكتابين (القرآن والكون) هو أن قراءة الوحي بمثابة تنزيل من الخالق إلى المخلوق (من الكلي إلى الجزئي) وبما تتيحه القدرة البشرية من التدبر لكتاب الله I ( وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ) [القمر : 17] .

الشكل رقم (1)
المنظومة القرآنية في الكون والإنسان

 

أما قراءة الكون فهي بمثابة تطلع من المخلوق إلى الخالق (من الجزئي إلى الكلي) أي من المعجزة الصغرى إلى المعجزة الكبرى على وفق قدرات البشر  النسبية أيضاً في فهم الحقائق  الكونية فلا يقع الفصام المزعوم بين معطيات الوحي (القرآن الكريم) ونتائج المعرفة الموضوعية والحقائق الكونية هذا ما اكدته بدايات التنزيل في سورة العلق (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ$خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ* اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ* الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ*عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ) [العلق : 1ـ5]([7]).  من هنا كانت الإشارة الكونية في القرآن الكريم متطابقة مع معطيات العلم وحقائقه الثابتة لذلك قال بعض العلماء : (لا يمكن أن يحصل الصدام بين آية قرآنية وحقيقة علمية ، وإذا ما حصل ذلك فإنه إما أن تكون الإشارة العلمية ليست بحقيقة وإما أن يكون فهم الآية  الكريمة وتفسيرها غير صحيح))([8]

ومن هنا أيضاً كانت الأحكام والفرائض الشرعية والشرائع التعبدية في الإسلام الذي دستوره القرآن متناسقة مع خلق الإنسان والكون ومتوافقة مع الفطرة البشرية والسنن الكونية وكل انحراف أو ابتعاد عن هذه الشعائر والشرائع سيؤدي إلى الفصام بينهما وبالتالي إلى الخراب والفساد في الإنسان والمجتمع والبيئة وستكون النتائج وخيمة على كافة المستويات والأصعدة في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أشد وأبقى والعياذ بالله قال I ( وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ) [طه : 24] . وقال I ( فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) [النور : 63].  حيث إن الله I الذي خلق الكون والإنسان وأودعهما أسراره وقوانينه وسنته هو نفسه جل وعلا الذي انزل القرآن وضمنه توجيهاته وأوامره ونواهيه للبشر الذين خلقهم وكرمهم ويعرف ما يناسبهم وهو رحيم بهم ويعلم ما ينفعهم وما يضرهم قال I ( قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا) [الـفـرقان : 6]. وقال I ( أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) [تبارك : 14].

فإذا اكتشفنا منظومة حسابية أو رياضية معينة في القرآن الكريم فإنها ستنعكس حتماً على الكون والإنسان على شكل قوانين وسنن أو مسارات فبالنسبة إلى خلق الكون قال تعالى : (سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى*الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى*وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى) [ الأعلى / 1 ـ 3]  ، وبالنسبة إلى خلق الإنسان قال تعالى (مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ*مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ ) [عبس / 18-19] ، فتقدير خلق الكون والإنسان وتسويتهما هما بموجب منهج القرآن الكريم لأنه كما قلنا سابقاً هو منهج متكامل للبشرية في جميع مساراتها ونواحيها.  

(وما الذي يمنع أن تكون القوانين الرياضية الكونية والقوانين الرياضية القرآنية واحدة إذ إن خالق الكون هو منزل القرآن)([9])

لقد استخدم القرآن الكريم الحروف والكلمات والعبارات على وفق تناسق عددي وترتيب حسابي معين وورودها فيه لم يأت مصادفة ولكنه كان مقصوداً مراداً . إن الله العليم الحكيم الحسيب الخالق ، أورد تلك الحروف والعبارات والكلمات على وفق تلك الأعداد المتناسقة لما لها من مدلولات كونية علمية وتطبيقات في القوانين والنواميس التي خلق الكون والإنسان بموجبها وقد عرفنا قسما آخر منها وربما سنكتشف قسماً منها في المستقبل كلما تقدم العلم ، وهذا أحد أوجه الإعجاز القرآني وأدناه أمثلة عن تكرار بعض الكلمات والعبارات في القرآن الكريم وتطبيقاتها العلمية في الكون والإنسان .

1.  الرجل والمرأة في القرآن الكريم :

  وردت كلمة (الرجل) وكلمة (المرأة) في القرآن الكريم بصورة عددية متساوية لكل منها وهو (24) موضعا وقد يكون في ذلك إشارة إلى الأمور الآتية :

  أ ـ تساوي الرجل والمرأة في المسؤوليات والحقوق والواجبات قال I (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ)  [البقرة : 228] .

  ب ـ ربما يكون في هذا العدد إشارة إلى عدد الصبيغات (الكروموسومات) Chromosomes الذي هو (23) في كل من الخلايا الجنسية عندهما (الحيمن في الذكر والبيضة في الأنثى) وهي التي تحمل الجينات (الصفات الوراثية) ولذلك تسمى بالمورثات Genes حيث إن الأب والأم ينقلان هذه الكروموسومات إلى الأبناء لذلك فان الخلايا الجنسية المذكورة أعلاه تحتوي على نصف عدد الكروموسومات الموجودة في الخلايا الجسمية (والتي عددها 46) ولكن هنا العدد للكروموسومات (23) وليس (24) لكل منهما فقد يكون العامل الرابع والعشرون هو (الحياة) أو (المادة الحياتية) التي توجد في كل من الحيمن والبيضة أو إن هناك عاملاً آخر مجهولاً ينتقل من كل منهما ليشكل (البيضة المخصبة) ولم يتوصل إليه العلم لحد الآن أو قد يتوصل إليه في المستقبل ويكون القرآن الكريم في هذه الحالة قد سبق العلم في تقرير هذه الظاهرة العلمية والله أعلم.

2- البر والبحر في القرآن الكريم :

 لقد وردت كلمة (البر) وكلمة (البحر) متكررة في القرآن الكريم في عدة آيات فبالنسبة لكلمة (البر) فقد تكررت (12) مرة  أما كلمة (البحر) فقد تكررت (33) مرة أي بنسبة (نحو27% للبر ونحو 73% للبحر) وهاتان النسبتان هما نفس نسبة وجود وتوزيع الماء واليابسة على سطح الكرة الأرضية (مساحته 144 مليون كم2 لليابسة و 365 مليون كم2 للماء).

3 ـ  الشمس في القرآن الكريم:

        كلمة (الشمس) تكررت في القرآن الكريم في (33) موضعا  وهذا إشارة إلى الدورة الفلكية الشمسية التي هي (33) عاماً والله اعلم.

4 ـ  القمر في القرآن الكريم:

كلمة (القمر) تكررت في القرآن الكريم في (27) موضعاً وفي ذلك إشارة فلكية وعلمية دقيقة إلى عدد أيام الشهر القمري الذي هو (27) يوماً تقريباً على وفق الحساب النجومي أي نسبة الى نجم ثابت مثل الشمس. وسبب ذلك أن الأرض تأخذ القمر معها اثناء دورانها حول الشمس مما يجعل القمر منظوراً اليه من الشمس يقضي (27) يوماً وثلثاً ليقطع دورة كاملة حول الارض  وليس (29 أو 30) يوماً كما هو الحال بالنسبة للراصد من الأرض وهذا ما يسمى بالشهر النجومي قال تعالى (وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) [يس : 40].

5 ـ  الشمس والقمر في القرآن الكريم

 وردت عبارة (الشمس والقمر) مقترنتين في عبارة واحدة متتالية أو متباعدة . ولكن في الآية الكريمة نفسها في (19) موضعاً فقط وقد يكون في ذلك والله اعلم إشارة إلى السنة الاقترانية الفلكية ذلك أن من المعلوم في علم الفلك أنه في كل (19) سنة تكون الشمس والقمر والأرض على خط واحد يتطابق  فيهما اليوم والتاريخ وتتكرر هذه الدورة كل (19) سنة حيث تكون الشمس والقمر والارض على خط واحد وفي نقطة مدارية متناظرة واحدة وتسمى هذه الدورة الفلكية بدورة السايروس وبموجبها يتم اجراء حسابات الخسوف والكسوف.

6 ـ  اليوم في القرآن الكريم :

 كلمة (يوم) تكررت في القرآن الكريم في (365) موضعاً وفي ذلك إشارة إلى عدد أيام السنة الشمسية والبالغة (365) يوماً.

7 ـ  الشهر في القرآن الكريم :

 كلمة (شهر) تكررت (12) مرة وذلك إشارة إلى عدد أشهر السنة الشمسية أو القمرية قال I (إنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا) [التوبة : 36].

8 ـ  السنة والسنين في القرآن الكريم :

 وردت كلمتا (سنة) و(سنين) في القرآن الكريم في (19) موضعاً وذلك في (7) آيات بالنسبة إلى كلمة (سنة) وفي (12) آية بالنسبة إلى كلمة (سنين) ومجموعهما (19) وهي والله أعلم تشير إلى الدورة الفلكية الاقترانية المذكورة سابقاً (دورة السايروس) ، عـلماً أن في كـل (19) سنة قمرية هناك (7) سنين كبيسة قدر الـسنة الـواحـدة (355) يوماً و(12) سنة بسيطة قدر السنة الواحدة (354) يوماً ويلاحظ أن العدد (7) هو عدد فردي يقابل العدد (355) الذي هو عدد فردي أيضاً أما العددان (12 و 354) فهما عددان زوجيان وفي ذلك تناسق عددي واضح بينهما([10])  .

9. الحديد في القرآن الكريم :

قال تعالى (وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ ) [الحديد : 25] لقد ورد ذكر بعض المعادن في القرآن الكريم كالحديد والنحاس والذهب والفضة ولكن الله I أفرد سورة كاملة باسم (الحديد) في القرآن الكريم وذلك للتأكيد على أهميته في الطبيعة وفائدته للإنسان .

إن ترتيب سورة الحديد في القرآن الكريم هو ( 57 ) ويعادل ذلك تقريباً وزنه الذري الذي هو ( 56 ) وإذا ما اعتبرنا سورة الأنفال والتوبة سورة واحدة (لعدم وجود البسملة بينهما) كما قرر ذلك بعض العلماء فيكون العدد ( 56 ) قد تحقق بالضبط . ثم إن رقم الآية الكريمة في قوله I ( وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ ) هو ( 26 )  مع البسملة ويعادل ذلك وزنه المكافئ الذي هو ( 26 ).

وقد ورد ذكر الحديد في القرآن الكريم في ست آيات وكما يلي :

1 ـ (قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا) [الإسراء : 50].

2 ـ (وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ) [الحج : 21].

3 ـ (لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيد) [ق : 2]

4 ـ (آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا) [الكهف : 96]

5 ـ (وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلا يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ)  [سبأ : 10].

6 ـ (وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ) [الحديد : 25].

وقد يكون في تكرار الحديد ست مرات في القرآن الكريم إشارة إلى بعض خواصه الكيميائية والفيزيائية وكما يلي :

1 ـ أن أعلى درجة لتأكسد الحديد هو (6) Higher Oxidation State

بالرغم من كون تواجد الحديد في الطبيعة على شكل حالتين شائعتين الأولى ثنائية  التكافؤ (الحديدوز) . مثال (FeCl2) والثانية ثلاثية التكافؤ (الحديديك) . مثال (FeCl3) ، لكن هناك تكافؤات أخرى يتواجد فيها عنصر الحديد في الطبيعة ولو بشكل أقل كالحديد السداسي التكافؤ. مثال (H2FeO4)([11]).

2 ـ أن عدد أطياف عنصر الحديد هو (6).

  Line Emission spectra of Iron :  R, O, Y, E, D, V .([12])   

3 ـ إن الأواصر التي يرتبط بها في بعض المركبات العضوية هي (6) أواصر كما هو في حالة الحديد Haem  الموجود في مركب الهيموكلوبين Hemoglobin  ( في الدم ) والمايوكلوبين  Myoglobin ( في العضلات ) وأنزيم السيتوكروم Cytochrome P450 الموجودة في أجسام الطاقة في الخلية ( المايتوكـندريا ) المسؤولة عن التـفاعلات الـحيـوية ( الأكسدة والاختزال ) للجسم الحي ([13]).


 

3. ظاهرة (التناسق العددي) في القرآن الكريم.  

(القرآن متناسق في كل شيء في سوره وآياته ، في جمله وكلماته وحروفه ، في ألفاظه ومعانيه ، وفي أعداد كلماته وحروفه وفي غير ذلك ويدعو القرآن الناس إلى تدبره ، وإلى ملاحظة ظاهرة (التناسق والتوافق) فيه ليخرجوا من ذلك بنتيجة أن القرآن هو كلام الله قال تعالى (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا) [النساء:82].

والمراد بالتناسق العددي هو التوافق والانسجام في الأعداد القرآنية وفي عدد استعمال القرآن لكلمات محددة أو لحروف معينة وهذا التناسق موجود في الأسلوب القرآني ودور العلماء فيه هو ملاحظته والوقوف عليه واكتشافه وتقديمه للناس ليزدادوا يقيناً بأن القرآن كلام الله وأنه أحد أوجه البيان العلمي في القرآن الكريم .

 إن العلماء القائلين بالتناسق العددي لا يؤلفونه ولا يصوغونه ولا يضعونه لأنهم لا يؤلفون كلمات القرآن وتراكيبه التي تقوم على لغة (الأرقام والترقيم) الحسابية ولذلك قد يقع العلماء في خطأ غير مقصود بسبب الخطأ في العد والحساب .

 ويختلف تعبير العلماء عن (التناسق العددي) فمنهم من يسميه (التناسق العددي) ومنهم من يسميه الإعجاز العددي ومنهم من يسميه (معجزة القرآن العددية) وغير ذلك وإننا نفضل تسمية ظاهرة الأعداد القرآنية المتناسقة باسم (التناسق العددي) ) ([14]).  

إن التناسق العددي في القرآن ناتج عن ظاهرة (التقدير) العامة في الكون وفي الإنسان فقد أشار القرآن إلى أن الله قد خلق كل شيء بقدر وأوجد كل شيء بقدر فهو المقدر المحصي الحسيب سبحانه وتعالى . فالتناسق العددي في حقيقته إذن مظهر من مظاهر (التقدير) الرباني المتناسق المتوازن مع بعضه ومع (التقدير) الإلهي في خلق الكون والإنسان حيث أن مصدرهما واحد كما قلنا سابقاً فالذي أنزل القرآن هو الذي خلق الكون والإنسان فلابد أن يتطابقا وتجمعهما قوانين مشتركة ويفسر أحدهما الآخر (كتاب الوحي المسطور وكتاب الكون المنظور) كما ذكرنا سابقاً.

فالله الحكيم المقدر المحصي الحسيب أورد الحروف في القرآن (بقدر) وأورد الكلمات في القرآن (بقدر) وكما ذكرنا سابقاً فإننا إذا كنا قد اكتشفنا منظومة حسابية معينة في القرآن الكريم فإنه سيكون لها تطبيقات عملية في خلق الكون والإنسان وفي ذلك إظهار للإعجاز والبيان العلمي في القرآن إضافة إلى أنه قد يهدي إلى سبق علمي لكون القرآن الكريم هو الحقيقة المطلقة والسابقة لكل العلوم وقد خلق الباري عز وجل النواميس في الكون والإنسان متناسقة معه .

4. ملخص للدراسات السابقة :

لقد سبقت هذه الدراسة دراسات متعددة في التناسق العددي في القرآن الكريم كدراسة الأستاذ بسام جرار في كتابه (إعجاز الرقم 19 في القرآن الكريم ـ مقدمات تنتظر النتائج) وكتابه (إرهاصات الإعجاز العددي في القرآن الكريم) التي تصب في هذا الاتجاه وتشكل مساراً من عدة مسارات رياضية تتعلق بالظاهرة العددية الموجودة في القرآن الكريم وكما يقول (وهذا الترتيب يعتبر مقدمة لدراسة تكرار الأحرف في السور … حيث تبين لنا أن هناك بناءً رياضياً محكماً يتعلق بتكرار أحرف الفواتح ، وفق ما يمكن أن نسميه (كيمياء الأحرف) … ويتجلى الإعجاز عند النظر إلى المسألة من جميع زواياها وعند استيعاب جميع مساراتها)([15]). وكذلك دراسات المرحوم الدكتور عبد الرزاق نوفل في كتابيه (الإعجاز العددي في القرآن الكريم) و(معجزة الأرقام والترقيم في القرآن الكريم) وكتب الأستاذ المهندس عدنان الرفاعي ومن أهمها كتاب (المعجزة ـ كشف إعجازي جديد في القرآن الكريم) وكتاب (معجزة القرآن العددية) للأستاذ صدقي البيك وغيرهم .

وبخصوص المؤشرات السباعية في القرآن الكريم فإننا لم نحصل أو نطلع على دراسة متكاملة في هذا الموضوع سوى شذرات بسيطة ومتفرقة هنا وهناك منها محاضرة ألقيت في الجمعية المصرية لللإعجاز العلمي في القرآن الكريم والسنة النبوية بتاريخ 19/9/1993 بعنوان (( أنزل القرآن على سبعة أحرف )) للمهندس مصطفى أبو سيف بدران ونشرت خلاصتها فقط([16]) منها قوله : ( في سورة المزمل ورد لفظ الجلالة (7) مرات . تكرار الرقم (7) أو مضاعفاته أو مقسوماته في كل إحصاء الآيات يؤكد موضوعية نزول القرآن على سبعة أحرف . عدد السور التي بدأت بحروف مقطعة = (29) سورة . الحروف المقطعة عددها (14) حرف وهـي فـي (14) مجموعة . وردت لفظة (أنزل) في القرآن (49) مرة يعني (7×7) ) .

أما صاحب كتاب (رحلتي مع الرقم 7)  فقد ذكر في كتابه تكرار الرقم (7) في آيات القرآن الكريم وبعض الموضوعات والعبارات والكلمات التي وردت سبع مرات فيه وبذل في ذلك جهداً مشكوراً وكانت دراسته مراجعة تأريخية أكثر منها أن تكون قرآنية علمية ومن دون أن يحاول الربط بينهما([17])… اما بالنسبة لصاحب كتاب (دراسة أستقرائية للرقم 7) فقد ذكر بأسهاب وتفصيل أكثر هذه الكلمات والعبارات والموضوعات التي وردت سبع مرات في الآيآت القرآنية مستنبطا ان هناك علاقة تربط الانسان والكون بالعدد(7) وكذلك في بناء هيكل الكون وفي تكوين الإنسان([18]).

أما دراستنا هذه فنعتقد أنها أكثر شمولاً، ومحاولة جديدة في كشف إعجاز علمي ورياضي فريد في القرآن العظيم متمثلاً في إيجاد العلاقة بين هذا الرقم ومضاعفاته وذلك في سورة الفاتحة (أم الكتاب) والسور ذات الفواتح (التي تفتتح بالأحرف المقطعة) من جهة وبينهما وبين بقية سور القرآن الكريم من جهة أخرى كمحور للضبط والربط بينها جميعاً وكذلك بين القرآن الكريم من جهة والكون والإنسان من جهة ثانية لأن القرآن الكريم كما ذكرنا هو منهاج للبشرية ومفتاح للكون وكما يقول العارفون: (إن القرآن هو كون الله المقروء والمسطور والكون هو قرآن الله المشاهد والمنظور). كذلك فإننا إذا توصلنا أو اكتشفنا منظومة حسابية في كتاب الله المجيد فإنه سيكون لها حتماً تطبيقات في مخلوقاته جميعاً (الكون والإنسان) وهذا يساعدنا للتوصل إلى قوانين ونواميس لها تطبيقات في غاية الأهمية بما يحيط بنا من طبيعة ومخلوقات بصورة عامة وفي مجال العلوم الطبية التي تعنى بالإنسان بصورة خاصة لأن هذا الآدمي المكرم هو الغاية من خلق الكون الذي سخره الله له ليقوم بعبادة الله عز وجل وحده لا شريك له وإعمار هذه الأرض من حوله. قال تعالى: (ولقد كرمنا بني آدم، وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً) [الإسراء :70] .

وفي دراستنا هذه (المنظومة السباعية في القرآن) نعتقد أننا قد توصلنا إلى مسار رياضي جديد يفسر لنا كثيراً من الأمور التي لم تكن معروفة سابقاً كالأحرف المقطعة في السور المبتدئة بها (السور ذات الفواتح) وبعض المعاني في كلمة (المثاني ) في قوله تعالى : (وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنْ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ) [الحجر : 87] وغيرها من النتائج التي سيجدها القارئ بعد إطلاعه على الكتاب والتي ستؤدي إلى حصول اليقين في أن هذا القرآن العظيم هو كلام الله الموحى به إلى رسوله الأمين وأنه في ترتيب سوره وآياته وكلماته ورسمه موقوفٌ([19]) ولم ولن يحصل عليه أي تغيير أو تبديل منذ نزوله وحتى الآن وإلى قيام الساعة ، قال تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) [الحجر : 9] .

وسنتناول في هذا الجزء (المنظومة السباعية في القرآن الكريم) ثم سنتناول في الجزء الثاني القادم إن شاء الله تعالى (المنظومة السباعية في الكون والإنسان) كتطبيق علمي عملي لها والله نسأل أن يوفقنا ويسدد أعمالنا ويفتح علينا، وأن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم. وما كان من صواب في هذا الكتاب أو غيره فهو من توفيقه عز وجل وله الحمد والشكر، وما كان من خطأ أو زلل فمن أنفسنا فنستغفر الله منه ونطلب من القراء إرشادنا إليه والله يقول الحق وهو يهدي السبيل إنه نعم المولى ونعم النصير.

 

 

5. لا قدسية للأرقام في الإسلام :

        ونحن في الوقت الذي نتعامل فيه مع العدد (7) ومضاعفاته كمحور من محاور ضبط للقرآن الكريم وكأحد المعايير في تفسير (السبع المثاني) في الفاتحة والحروف المقطعة في فواتح السور وكعامل ربط بينهما وبين بقية سور القرآن الكريم فإننا لا نضع هالة من القدسية على هذا الرقم أو غيره من الأرقام أو الأعداد لأنه لا قدسية للأرقام في الإسلام ولا مجال في أن يوظف هذا الرقم أو غيره لتأييد دين أو مذهب من الأديان والمذاهب أو الفرق الباطنية التي تقدس هذه الأرقام إذ إن القرآن الكريم هو كلام الله الذي أودعه اللوح المحفوظ وخلق الكون والإنسان وأودعهما قوانينه قبل أن تكون هذه الأديان والمذاهب المنحرفة .

        ثم أن هذه العلاقة الرياضية المكتشفة في القرآن الكريم وتطبيقاتها في الكون والإنسان هي علاقة حسابية تفرض نفسها إحصائياً وليس من ترتيب أو وضع أحد من البشر لذلك قال الله تعالى في محكم كتابه : (يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا) [النساء : 174] وربما نكتشف (ويكتشف غيرنا) في المستقبل علاقة رياضية أخرى لأن القرآن الكريم والكون (بما فيه الإنسان) لا يربطهما قانون واحد وإنما تربطهما قوانين ونواميس ومحاور متعددة وكثيرة .

        لذلك نحب أن نطمئن الذين يتخوفون من أبحاث الإعجاز أو التناسق العددي في القرآن الكريم حرصاً وإخلاصاً منهم على كتاب الله عز وجل (من أن يوظف أو يستغل لمسائل منحرفة أو استنتاجات خاطئة كما فعل رشاد خليفة في كتابه -معجزة القرآن الكريم- المطبوع عام 1983) من أن تخوفهم هذا هو في غير محله ويفتقر إلى المنهج السليم في التفكير حيث أنه من المعلوم أن الطوائف الباطنية (قديماً وحديثاً وما انقرض منها وما لم ينقرض) ذهبت في تأويلات خاطئة وفاسدة للقرآن الكريم ومع ذلك بقي وسيبقى القرآن الكريم كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ويحفظه الله سبحانه وتعالى من كل تحريف أو زيادة أو نقصان لذلك كان من الواجب علينا أن نؤيد ولا نرفض أو أن نتخوف من أي فكرة أو دراسة تعزز أن القرآن كتاب منزل وأنه محفوظ من التبديل والتحريف أو الزيادة والنقصان على مر العصور والدهور.

       ومما يؤيد قولنا وما ذهبنا إليه ما جاء في بعض ما ذكره المهتمون والمشتغلون في هذا الصدد منها ما يأتي:

1.  (تقديس الأرقام والأعداد غير وارد في الإسلام وللمسلمين موقفهم الواضح من القضية فلا نقدس رقما ولا نعادي رقما آخر لأن بعضهم قدسه .

يعلم المسلمون أن الله واحد وأنه خلق سبع سموات وهم يطوفون حول الكعبة (7) ويعلمون أن الأسبوع (7) أيام وأن المسلم يسجد على (7) أعضاء ... الخ .

فهل حملهم هذا على تقديس العدد (1) أو العدد (7) ؟ وهل سيحملهم الإعجاز المبني على العدد (19) على تقديس هذا الرقم ؟ أي حكم نقلي وأي منطق عقلي يحملنا على ذلك  ؟! فليطمئن أولئك الذين يخشون أن يقدس الناس العدد (19) (أو العدد (7) ) وليعلموا أن الإعجاز سيساعدهم على نقض أباطيل الفرق الباطنية . وما أبلغ أن يكون حتف هذه الفرق فيما قدست)([20])

2. (... صحيح أن العدد (19) قد استخدم حديثاً لدى طائفة باطنية منحرفة عن الإسلام مارقة من الدين وهي طائفة البهائيين فقد استخدمه هؤلاء في تقسيم السنة إلى (19) شهراً والشهر إلى (19) يوماً وفي مجالات أخرى وأسبغوا عليه هالة من القداسة ولكن هذه الإساءة في الاستخدام والتحريف في الكلام لا يدفعنا إلى رفض استعمال ما أساءوا استعماله أو أولوه وفسروه على غير حقيقته وفيما تهوى أنفسهم فإذا قدس الناس العدد (3) أو العدد (7) ، أفيمنعنا هذا أن نجد فيهما أموراً تلفت النظر أو تكون جديرة بالاهتمام ؟ )([21])


 

([1]) عبد الرزاق نوفل ـ الإعجاز العددي في القرآن الكريم ، 3/179 .

(1) محمد جميل الحبال و مقداد الجواري ـ العلوم في القرآن ـ ص74 .

([3]) من أهمها قوله r (( طلب العلم فريضة على كل مسلم )) .

(3 ) محمد فارس بركات ، الجامع لمواضيع آيات القرآن الكريم ، ص614 .

([5]) لزيادة التفاصيل راجع كتاب (العلوم في القرآن) للدكتور محمد جميل الحبال والدكتور مقداد الجواري ـ ص26 ، (ضيق الصدر في أعالي الجو) وكتابنا (الطب في القرآن) ص42.  

([6]) لزيادة التفاصيل راجع كتاب (منطقة المصب والحواجز بين البحار في القرآن الكريم) للشيخ عبد المجيد الزنداني وزملائه ، هيئة  الأعجاز العلمي في القرآن والسنة ، مكة المكرمة .

([7]) طه العلواني ـ الجمع بين القراءتين ، قراءة الوحي وقراءة الكون (بتصرف).

([8]) عبد المجيد الزنداني ـ تأصيل الإعجاز العلمي في القرآن والسنة ، ص26.

(2) بسام جرار ـ معجزة الرقم (19) في القرآن ـ مقدمات تنتظر النتائج ، ص131 .

(1) بسام جرار ـ معجزة الرفم (19) مقدمات تنتظر النتائج ـ ص135 .

([11]) Modern Inorganic Chemistry,  by J.J. Logowki, P 610. 

([12]) Introduction to Atomic and Nuclear Physics , by : H.E. White, P. 104. 

([13]) لزيادة التفاصيل راجع كتابنا (مطابقة الحقائق العلمية للآيات القرآنية) ، ص36ـ41.

([14]) صلاح عبد الفتاح الخالدي ـ البيان في إعجاز القرآن (بتصرف) ، ص351-352

([15]) بسام جرار ، إرهاصات الإعجاز العددي في القرآن الكريم ، ص48

(2) كارم السيد غنيم  ، الإشارات العلمية في القرآن الكريم بين الدراسة والتطبيق  ، ص565-566.

(3) عبدالرحمن سليمان ياسين-رحلتي مع الرقم (7) ، ص63-80 .

(4)محمود الحمصي ،دراسة أستقرائية للرقم 7  ، ص7- 92

 

 

([17]) عبد الرحمن سليمان ياسين ، رحلتي مع الرقم (7) ، ص63ـ80 .

([18]) محمود عبد الرزاق الحمصي ، دراسة استقرائية للرقم (7) ، ص7ـ92 .

(1) موقوفاً ـ  حسب توقيف الرسم العثماني في كتابة المصحف وأنه بتوجيه من الرسول الكريم سيدنا محمد  r بوحي من سيدنا جبريل عليه السلام (وستكون الاحصائيات في هذه الدراسة بموجب الرسم العثماني للقرآن الكريم) .

([20]) بسام جرار ، إعجاز الرقم 19 في القرآن الكريم ، ص34 .

([21]) صدقي البيك ، معجزة القرآن العددية ، ص66 .